النويري
151
نهاية الأرب في فنون الأدب
فمن ذلك ما روى عن دحية بن خليفة الكلبىّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم إلى قيصر أنه قال : لقيت قيصر بكتاب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وهو بدمشق ، فأدخلت عليه خاليا ، فناولته الكتاب فقبّل خاتمه وفضّه وقرأه ، ثم وضعه على وسادة أمامه ، ثم دعا بطارقته وزعماء دينه فقام فيهم على وسائد بنيت له ، ثم خطبهم فقال : هذا كتاب النبىّ الذي بشّر به عيسى المسيح ، وأخبر أنه من ولد إسماعيل ، قال : فنخروا نخرة عظيمة ، وحاصوا فأومى إليهم بيده أن اسكتوا ، ثم قال : إنما جرّبتكم لأرى غضبكم لدينكم ، ونصركم له ، وصرفهم « 1 » ، ثم استدعانى من الغد فأخلانى ، وأنّسنى بحديثه ، وأدخلني بيتا عظيما فيه ثلاثمائة وثلاثة عشر صورة ، فإذا هي صور الأنبياء المرسلين صلى اللَّه عليهم « 2 » وسلم فقال : انظر من صاحبك من هؤلاء ، فنظرت فإذا صورة النبىّ صلى اللَّه عليه وسلم كأنما ينطق ، فقلت : هو هذا ، فقال : صدقت ، ثم أراني صورة عن يمينه فقال : من هذا ؟ قلت : هذه صورة رجل من قومه اسمه أبو بكر الصدّيق رضى اللَّه عنه ، فأشار إلى صورة أخرى عن يساره ، فقلت : هذه صورة رجل من قومه يقال له عمر رضى اللَّه عنه ، فقال : إنا نجد في الكتاب أن بصاحبيه هذين يتمّ اللَّه أمره . قال دحية : فلما قدمت على النبىّ صلى اللَّه عليه وسلم أخبرته ، قال : صدق ، بأبى بكر وعمر يتمّ اللَّه هذا الأمر بعدى . واللَّه الموفق . ومنه ما روى عن حكيم « 3 » بن حزام قال : دخلت الشام للتجارة « 4 » قبل أن أسلم ، ورسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بمكَّة ، فأرسل قيصر إلينا « 5 » ، فجئناه ومعنا أميّة بن
--> « 1 » في الأصل : « وصرفه » . « 2 » في الأصل : « صلى اللَّه عليه » . « 3 » حديث حكيم هذا مروى في السيرة الحلبية 1 : 186 . « 4 » في السيرة الحلبية 1 : 186 : « الشام لتجارة » . « 5 » في السيرة الحلبية 1 : 186 : « فأرسل إلينا ملك الروم » .